قراءة في نص جحيم المرايا مقدمة من مدير النقد الأديب المبدع الأستاذ #أنس_حسين

“جحيم المرايا” للينا ناصر

استقراءٌ تفكيكي ومقاربةٌ نقدية…

●°•جحيم المرايا •°●

لينا ناصر _لبنان.

ثم، في آخر السهر،،

قرر عقلي الخلود إلى النوم…

اعترضت عيناي،،

فالأجفان ما زالت محدقة،،

والقلب مصاب بعقم الإحساس،،

والروح لا فرق عندها بين يقظة ونوم…

لكن عقلي،،

هذه المرة،

فرض سلطته،

واستنفر جيوش جوارحي،،

ومضى بي قسرا إلى عتمة الرقاد…

أغمضت عينيّ فإذا بي أدخل قاعة شاسعة،، مترامية الأطراف،،

تتكاثر فيها المرايا من كل النواحي

أينما أدرت بصري وجدتني..

لكن بوجوه مختلفة،

وملامح تتنازعني

كأن كل مرآة تنتزع من روحي نسخة وتمنحها هيئة مستحدثة مني..

حتى المرايا لم تكن متشابهة

كانت تتوشح بألوان غريبة

بعضها يفيض بزرقة الموت

وبعضها يتوهج بحمرة النزف

وأخرى تتشح بسواد آخر غير ذلك الذي نعرفه في العتمة..

سواد يعكس الحرائق التي تشغل حيزا من روحي كالفحم

بقي محافظا على سواده ولم يتحول إلى رماد..

رحت أتجوّل بين المرايا،

أتفحّص ملامحي

أتقصّى وجوهي المتناثرة على جدرانها..

فأرى واحدة تعكس فرحي..

وأخرى تستبطن حزني..

وثالثة تستحضر صورتي حين يستبدّ بي الغضب…

وتلك هناك في أكثر بقعة مضيئة

تسرق طفولتي وتعيدني صغيرة بعينين واسعتين

وبراءة لم تفسدها الحياة بعد..

وأخرى تقف أمامي شامخة

تتباهى بشموخي

كأنها تحفظ قامتي من الانكسار…!

أما واحدة في أقصى الرواق

فكانت تحدّق بي بقسوة لم أعهدها في أي من مراياي..

لا تبتسم،

ولا ترمش،

ولا تمنحني فرصة للفرار من نظرتها..

بدت كأنها تعرف عني ما أجهله..

وتحصي بصمت كلّ المرات التي احتميت فيها بالقسوة من الضعف، 

وكلّ الأبواب التي أغلقتها في وجه الآخرين باسم الكبرياء…

وقفت أمامها طويلًا،،

حتى خيل إليّ أنني لا أنظر إلى انعكاسي..

تلك لم تكن أنا إنها بلا شك  امرأة أخرى

جاءت لتشهد ضدي..

لتخبرني كم أستطيع أن أكون صارمة..

وكم تختبئ خلف صلابتي امرأة لا ترحم

حتى حين تكون الرحمة أولى بها..!

لم أُشِح بوجهي عنها،

رغم أن نظرتها بدأت تتسلل إلى جلدي

كإبر باردة..

ورغم أن ملامحي في المرآة

راحت تتقلص وتتسع

كأن وجهها يبتلع وجهي ببطء…

رفعت يدي إلى وجنتي

فلم تفعل هي.

ابتسمتُ

فبقيت عابسة..

أغمضت عينيّ،

لكنها بقيت تحدّق بي،

ثم مالت برأسها هامسة بشفاه لم تتحرك:

أخيرا جئت!

تراجعت خطوة

فتقدّمت هي داخل المرآة،

خارج جسدها الزجاجي،

حتى التصق جبينها بجبيني،

وفصل بيننا غشاء رقيق

لا ينتمي إلى هذا العالم..

ثم من خلفها بدأت المرايا تتنفس.

رأيتُ طفولتي تركض حافية على سقف القاعة،

وحزني يجرّ ذيلا طويلا من الموتى،

بينما كانت صورتي الغاضبة تقضم أصابعها وتبصقها على الأرض،

فتتحول الأصابع إلى مفاتيح صغيرة،

يلتقطها وجهي المتعجرف ويفتح بها أفواه المرايا..

ثم حدث ما لم أستطع تفسيره

انحنت المرآة التي تعكس فرحي،

وأخرجت من فمها ضحكة سوداء،

علقتها على مسمار في الهواء…

أما مرآة الطفولة،

فقد راحت تهدهد دمية بلا رأس،

وتبكي كلما ناديتها باسم لم أعد أتذكره…

وفجأة، انطفأت الألوان..

لم يبق في القاعة سوى المرآة الأخيرة،

وتلك المرأة التي تشبهني أكثر مما ينبغي..

وتكرهني أكثر مما أحتمل…

قالت:

أتعرفين لماذا تبدين قاسية إلى هذا الحد؟

لم أجب.

لأنكِ كلما عجزتِ عن إنقاذ شيء في داخلك،

أعدمتِ شيئًا في الخارج…

كلما خفتِ من انكسارك،

كسرتِ يدًا امتدت إليكِ…

كلما عجزتِ عن تفسير جرحكِ،

جعلتِ من الآخرين متهمين في محكمة لا قاض فيها سواك…!

وضعت كفي على فمي،

لكن الكلمات خرجت من بين أصابعي،

تتساقط على الأرض كحشرات بيضاء…

حاولت أن أصرخ،

فابتلعت القاعة صوتي

ثم أعادته إليّ بألف نبرة..

كلها تشبهني..

كلها تسخر مني…

تلك المرايا لم تكن معلقة على الجدران.

كانت الجدران نفسها جلودًا مشدودة على وجوه عملاقة..

وذلك الرواق الذي جئت منه

لم يكن سوى أمعاء طويلة تلتف حول ذاتي،

وأنني منذ أغمضت عيني وأنا أُهضَم داخل نفسي…

مددت يدي نحو المرآة الأخيرة

لعلّي أسترد وجهي منها.

لكنها أمسكت بيدي.

وجذبتني إليها

فاستيقظت وقد بلل العرق ملامحي

وفرائصي ترتعد من الخوف

وعيوني واجمة في سقف الغرفة

تبحث عني..

ويدي تتلمس صدري هل مازلت أتنفس

هل أنا التي  فتحت عينيها في العتمة؟!

هل استطعت الخلاص من جحيم_المرايا

أم أنني الآن أكمل غفوتي

وقد استيقظت في المرآة الخطأ؟!!

لينا ناصر



أولًا: عتبة نقدية ــــــ الذاتُ في حضرةِ محكمتِها:

تنسج لينا ناصر في نصها “جحيم المرايا” تجربةً تنفذُ من مسمّ العبور النفسي الضيق إلى رحابة المساءلة الوجودية، حيث تجابهُ الذاتُ وجوهَها المتشظية، وتستنطقُ ما يربضُ خلف رصانتها من ندوبٍ ووجلٍ وانكسار.

فتتحول المرايا هنا من أداةِ انعكاسٍ إلى منصةِ اتهام، ويصبح الإبصارُ مكاشفةً موجعة؛ إذ تُباغتُ الذاتُ بحقيقةٍ مُفادها أنَّ أعتى مخاوفِها لم يكن إلا صدىً لما يكتنفُ أعماقَها.

إذ يرتكز النصّ على مفارقةٍ جوهرية، قوامها أنّ المرء الذي ينكفئ هاربًا من مواجهة ندوبه الغائرة، قد يستحيل هو نفسه مبعثًا للوجع الذي يطال الآخرين. وعن هذه المفارقة تنبثق ثنائياتٌ ضدية تكتنف النص، تراوح بين القوة والوهن، والأنفة والهشاشة، والوعي والإنكار، واليقظة والحلم، والتمثيل والحقيقة.



ثانيًا: القراءة التفكيكيّة ــــــ تقويض ثوابت الذات وزعزعة يقينها:

1. تآكل وحدة الهوية:

تنطلق سيرورة التفكيك من تناسل الصور وانشطارها في المرايا؛ إذ تشرع البطلة في رحلة التفتيش عن كينونتها، فلا تقع على ملامح نهائية تستكين إليها.

فلكلّ مرآةٍ وجهٌ مباغت، ولكل وجهٍ انفعاله وذاكرته وموقفه، حتى تغدو الشخصية شتاتًا موزعًا بين ذواتٍ متنافرة.

حيث تخطُّ الكاتبة بعبارتها: “أينما أدرتُ بصري وجدتني.. لكن بوجوهٍ مختلفة”، ملامحَ التصدع في مفهوم الهوية الأحادية؛ فالذاتُ في هذا السياق ليست ماهيةً ساكنةً تُستعادُ بمجردِ التأمل، بل هي نسيجٌ متحوّلٌ من فيضِ التجاربِ وتقلباتِ الوجدان. والمرآةُ، بناءً على ذلك، لا تمنحُ الرائي هويةً مكتملة، وإنما تُعلنُ استحالةَ اختزالِ الكائنِ في صورةٍ نمطيةٍ وحيدة.

وتتجسدُ ذروةُ هذا التمزق حين تقفُ البطلةُ أمامَ انعكاسِها، لتشهدَ على غربتها قائلة: “تلك لم تكن أنا.. إنها بلا شك امرأةٌ أخرى”. يتبدّى الإنكارُ هنا بوصفه حيلةً نفسيةً ونسقًا دفاعيًا؛ إذ تنتقي البطلةُ من تجلياتها ما يستقيمُ مع رغباتها، وتُقصي كلَّ ما من شأنهِ تهديدُ صورةِ الذاتِ المتخيَّلة.

بيدَ أن النصَّ يشرعُ في قَلْبِ هذهِ الموازين؛ لتغدو “المرأةُ الأخرى” هيَ التجلِّي الأصدقَ لجوهرها، والأقربَ إلى حقيقتها من تلكَ الصورِ التي ألِفَتْ قَبولها.

وعلى هذا الإيقاع، تتلاشى التخومُ بين الأنا والآخر؛ ليغدو الآخرُ مرآةً كاشفةً لما استعصى على الأنا الإقرارُ به.



2. تقويض ثنائية القوة والضعف:

حيث يشتغلُ النصُّ على مفارقةٍ جوهريةٍ تتمثلُ في ثنائية القسوة والرحمة؛ إذ تتبدّى الصلابةُ الظاهرةُ، لا كعلامةِ بأسٍ واقتدار، بل كدرعٍ واهٍ يذودُ عن هشاشةٍ داخليةٍ غائرة.

تقولُ المرآةُ المواجهةُ للبطلة: “كلما عجزتِ عن إنقاذ شيء في داخلك، أعدمتِ شيئًا في الخارج”.

تمثل هذه العبارة الركيزة التأويلية الأعمق للنص؛ إذ تُعيد تعريف القسوة بوصفها ارتداداً للعجز، وتكشف أن الاستقواء على الآخر ليس إلا محاولةً يائسة لترميم شتات الذات أمام ألمٍ استعصى على الاحتواء. هنا تتداعى مفاهيم القوة التقليدية؛ فالكبرياء الذي صان الروح من التهاوي يستحيل جداراً من العزلة، والسطوة في إطلاق الأحكام لا تعدو كونها قناعاً يواري العجز عن فقه الجرح الشخصي ومواجهته.

ونلاحظ أنّ القراءة التفكيكية لا تختزل القوة في الضعف بوصفه حقيقةً وحيدةً مستترة؛ إذ تظل القسوة فعلًا جائرًا وتبعةً أخلاقيةً قائمة، حتى وإن كانت نابعةً من مَكامن الخوف. وتكمن براعة النص في قدرته على حثّ الشخصية لسبر أغوار دوافعها، دون أن يمنحها صكَّ براءةٍ من مآلات أفعالها.



3. المرآةُ بوصفها مَرْجِعيَّةً للمكاشفة وسُلطةً للإدانة:

تتحول المرآة الأخيرة من محض سطحٍ صامت إلى ذاتٍ ناطقة، تحوزُ من المعرفة ما يتجاوز إدراك البطلة لذاتها؛ فهي تُحصي الأبواب الموصدة، وتعرّي الذرائع التي استترت خلف رداء الكبرياء، واضعةً الشخصية في مواجهةٍ حاسمة مع سجلِّها الأخلاقي، وهكذا يتبدّل شأن المرآة؛ فما عادت أداةً للإبصار بل غدت عرشاً للقضاء، وما عاد صمتها مجرد انعكاس بل صار خطاباً يعرّي ما تفرّق من أشتات النفس. غير أن هذه السلطة ليست سطوةً خارجية، بل هي صدىً لما يعتمل في الداخل؛ هي انبثاق الوعي من قيود “الأنا”، وصرخة الذات التي لم تعد تقوى على تجرّع أوهامها المريحة.

ومن رحم هذا المشهد تولد مفارقةٌ لافتة:

إذ تمسي البطلة هي الخصم والحكم والشاهد في آنٍ واحد، لكنها تقف عاجزةً وقد أفلت من يدها زمام تلك المحكمة التي أقامتها في حنايا روحها.

بيد أنَّ النص يشرعُ الباب أمام تساؤلٍ جوهري: هل تستحيلُ المرآةُ مِجلًى للحقيقةِ المطلقة، أم أنها محضُ قناعٍ آخر للذات، تنطقُ بلسانِ التقريعِ وتتوشحُ برداءِ القسوة؟ إنَّ هذا الاحتمال يحولُ دون ركون القارئ إلى فكرةِ أنَّ الصوتَ الذي يفضحُ الزيفَ يمتلكُ حصانةً ضد الخديعة ذاتها.



4. انحلالُ التخوم بين الرؤيا واليقظة:

ينطلقُ النصُّ من إرادةِ العقلِ في الاستسلامِ للنوم، ليعبرَ بنا رِواقَ المرايا، وصولاً إلى يقظةٍ جسديةٍ لا تهبُ الروحَ خلاصَها المأمول.

فبينما يبدو النومُ في بدئه انصياعاً لسلطة العقل، يستحيلُ الحلمُ فضاءً تتحررُ فيه الصورُ من أصفادِ المنطقِ والواقع، حتى تأتي الخاتمةُ لتقلبَ موازين العلاقة الجدلية بين الحلمِ والحقيقة: “أم أنني الآن أكمل غفوتي وقد استيقظت في المرآة الخطأ؟!!”

فلم يعد الاستيقاظ بالنسبة للبطلة عودةً إلى مرفأ اليقين، بل غدا إمعانًا في زعزعة وجودها وتعميقًا لشكوكها؛ فربما لم يكن الكابوس سوى طورٍ عبرته، أو لعلَّ الصحو ذاته ليس إلا امتدادًا لغياهبه.

هنا، يفقد الواقع سيادته بوصفه الحقيقة المطلقة، ويقف الوعي حائرًا أمام تلاشي الحدود الفاصلة بين رَهق المتخيّل وراهن المعاش. وليست النهاية المفتوحة مجرد حيلةٍ سردية للتشويق، بل هي تجلٍ لبنيةٍ تفكيكية تشرع في هدم المراكز الثابتة، حتى تغدو اليقظةُ نفسُها مركزًا متداعيًا لا يقين فيه.



ثالثًا: المتّكآت الفنية والجماليات السردية:

1. الفضاء السيكولوجيّ وتجسيد المجرّدات:

حيث تتجلّى براعة الكاتبة في تشييد فضاءٍ إبداعي تنصهر فيه الانفعالات لتغدو كياناتٍ مرئية وأفعالًا ملموسة؛ فثَمّة طفولةٌ تعدو في المدى، وحزنٌ يجرُّ خلفه أذيالاً من الموتى، وغضبٌ ينهشُ بنانه، وفرحٌ ينبثقُ من ثغر المرآة كضحكةٍ حالكة.

إنَّ هذه الصور البيانية تَهَبُ العوارض النفسية كينونةً ماديةً مستقلة، وتُحيلُ الصراع الجوانيَّ إلى مشهدٍ بصريٍ مائجٍ بالحركة، حتى يبلغ هذا التجسيد ذروته التعبيرية في قول البطلة:

“كانت الجدران نفسها جلودًا مشدودة على وجوه عملاقة”.

تتحوّل الصورة هنا من أداة للزخرفة إلى قوة تعيد صياغة وجودية المكان؛ فالفضاء الذي كان يوماً احتواءً للذات يستحيل كائناً حياً يطبق عليها، وتغدو القاعة جسداً هائلاً يمارس طقس افتراسها.

وتأتي استعارة “الأمعاء الطويلة” لتمضي بهذا المعنى نحو أقاصيه، حيث يتحول العبور في الرواق إلى رحلة تيه داخل جهاز هضميّ رمزيّ، تخلع فيه الذات رداء المستكشف لتغدو مادةً تُهضم في جوفها. إنها تجسيد بلاغي لسطوة الانغلاق النفسي، حين يستحيل التأمل اجتراراً وجودياً يقتات على صاحبه.



2. الرمزية اللونيّة وأنطولوجيا الجرح:

تتجاوز الألوان وظيفتها البصرية لتؤدي دوراً سيكولوجياً ودلالياً فارقاً:

– زرقة الموت: تنضحُ بصقيع الانطفاء، وتشي بنهايةٍ استوطنها السكون.

– حمرة النزف: تشرعُ نوافذ الذاكرة على وجعٍ مقيم، وندوبٍ لا تزالُ طرية.

– السواد الذي استعصى على الرماد: يُجسّد احتراقاً جوانياً يتأبّى على الأفول، وألماً احتفظ بفتيله متقداً رغم عوادي الزمن.



وتحمل هذه الصورة الختاميّة مفارقةً وجوديةً بليغة؛ فالفحمُ، رغم كونه أثرَ نيرانٍ خبت، يظلُّ محتفظاً بكيانه القاتم وقدرته الكامنة على التوهج من جديد.

وبذلك تغدو الذاكرة جرحاً لم يصر ماضياً بعد، بل استحالَ ركناً حصيناً في تكوين الذات وراهنها، ومع ذبول الألوان في خواتيم المشهد، ينحسرُ صخبُ العالم ليتكثّف في مواجهةٍ مصلتة بين البطلة ومرآتها الأخيرة، وكأنّ العتمة البصرية ليست إلا تمهيداً لتعرية الصراع في أشد حالاته تجرداً.



3. الطفولة والضحكة السوداء:

تفكيك البراءة وتقويض المسرّات:

لا تصوغ الكاتبة الطفولةَ في قالب الملاذ النقي أو الفردوس الذي يُؤوي البراءة المستعادة، بل تجعل من مرآتها كائناً يربتُ على دميةٍ مقطوعة الرأس، وينتحبُ كلّما ناداه اسمٌ منسيّ.

هي صورةٌ تجسّد ذاكرةً مشوهة، وبراءةً فقدت جوهرها الأول فباتت عاجزةً عن استرجاع هويتها. تتغلغل الطفولة في أغوار الشخصية، لا بوصفها ماضيًا مكتمل الأركان، بل بوصفها أثرًا مشوَّهًا يعجز المرء عن استرداد ملامحه.

وكذلك يتبدد صفاء الفرح حين تجسده المرآة “ضحكةً سوداء”؛ فذاك السواد الذي يتسرب إلى الضحكة يخلخل الثنائية الرتيبة بين الفرح والحزن، ويشي بأن البهجة الظاهرة قد تضمر في طياتها ألمًا دفينًا لم يحظَ بالاعتراف.

ومن خلال هذه الصور، تنمحي الحدود الفاصلة بين المشاعر؛ فالفرح مثقلٌ بظله، والطفولة ممهورةٌ بندبتها، والشموخ ليس إلا ستارًا يداري خلفه وجلًا عميقًا.



4. ارتقاء المشهد من حيّز الوصف إلى تخوم الرعب الوجودي:

تتنامى البنية السردية وفق مسارٍ تصاعدي محكم:

1- التمهيد السيكولوجي: صراع الحواس والمدركات في حضرة السهاد.

2- الكشف: الولوج إلى بهو العاكسات واستنطاق شتات الوجوه المتعددة.

3- المجابهة: بزوغ المرآة التي تهتك ستر القسوة المستترة خلف القناع.

4- التحول الجوهري: استنطاق الروح في الجماد وتداعي أركان الواقع المعهود.

5- المحاكمة الوجدانية: تعرية البطلة أمام ميزان الحقائق الأخلاقية لمسلكها.

6- الاستلاب: تحوّل الفضاء إلى كيان عضوي يبتلع الذات في أحشائه.

7- الصحوة المريبة: الارتداد إلى الحيز الضيق دون يقين الخلاص من غياهب الكابوس.

ويؤازر هذا التصاعد عبور النصّ من صراعٍ سيكولوجي مفسر إلى مخاضٍ وجودي تترنح فيه يقينيات الشخصية حيال تخوم جسدها ومدركات وعيها. ورغم ما يشيعه النص من سطوةٍ عبر فيض صوره، إلا أن تلاحق بعض المشاهد -كتشكل الأصابع مفاتيح تفتح أفواه المرايا- يشارف على حدّ الاكتظاظ الرمزي؛ إذ قد يمنح الاقتصاد في بعض التفاصيل فضاءً أرحب للصور الأكثر نفاذاً كي تستبقي وهجها، دون خدشٍ للروح السريالية الثاوية في النصّ.



رابعًا: الأفق النفسي والفلسفي ـــــ حين يستحيل الوعي جحيمًا:

يستدعي النصّ قراءةً سيكولوجيّةً تتقصّى ملامح الصراع بين صورة الذات كما تنشدها الشخصية، وبين تلك الظلال المتربّصة في غياهب الوعي؛ فليست قسوة المرأة وتعاليها إلا ترساً من صلابةٍ زائفة، وآليةً دفاعيةً تدرأ بها عن نفسها مآزق الشعور بالعجز.

بيد أنَّ هذه القراءة تظل في فضاء التأويل الأدبيّ المحض، ولا تبرح كونها استنطاقاً للنصّ، بمنأى عن أي تشخيصٍ نفسيّ مباشر يطال الشخصية أو كينونة الكاتبة.

يغوص النصّ في غمار المساءلة الفلسفية حول تخوم الوعي بالذات:

هل يملك المرء أن يكون شاهداً عدلاً على كينونته، أم أن الصور الذهنية المسبقة تشكل حجاباً يزيغ به البصر؟

وهل يكفي فقه بواعث القسوة للتحرّر من ربقتها، أم أنّ الاعتراف لا يغدو تحولاً جوهريّاً إلا حين يتجسّد واقعاً في تقويم المسلك؟



والمثير للتأمّل أنّ النصّ يضنّ على بطلته بسكينة المصالحة النهائية؛ فهي إذ تبلغ لحظة الانكشاف الممعنة في الألم، تكتشف أنّ التعرّي أمام الحقيقة لا يفضي بالضرورة إلى مرافئ الخلاص.

وهنا تتجلّى الفجوة السحيقة بين إدراك الحقيقة والقدرة على مكابدة ثقلها.

فيتجلّى الوعي في “جحيم المرايا” بوصفه ثنائيةً متناقضة؛ فهو المِبضع الذي يهتك حُجب الزيف، وهو في الآن ذاته القيد الذي يرهن الكائن لمحاكمةٍ سرمدية لا تنقضي.



خامسًا: وقفات نقديّة في فضاء اللغة والنسق الإيقاعيّ:

يتمظهر النصّ بلغة تصويريّة باذخة، وقدرة لافتة على تشكيل المشهد النفسي عبر استنطاق الحواس وتوظيف الحركة والتشخيص، كما أن هذا الانتقال الممنهج من رصانة المرايا الواقعية إلى المرايا الناطقة، وصولاً إلى فضاء المكان الجسدي الملتهم، يصبغ السرد بصبغة سريالية تتنامى باطراد.

فتبدو جليّة قدرة النصّ على تشييد عالمٍ متخيّل متماسك في منطقه النفسيّ، ومؤرق في أثره الوجودي.



خاتمة نقديّة:

المرآة التي لا تعكس الوجه… تتجلى القيمةُ الجوهريةُ في “جحيم المرايا” في براعةِ الكاتبةِ التي جعلت من مكاشفةِ الذاتِ حدثاً سردياً ممعناً في الروع، مُستحيلةً بالاستبطانِ من تأملٍ ساكنٍ إلى تجربةٍ تتماهى فيها الحدودُ بين الصورةِ والحقيقة، والضحيةِ والجلاد، وبين القوةِ التي تصونُ والقسوةِ التي تخون. وتبرزُ المرآةُ الأخيرةُ بؤرةً لهذا البناء؛ لتكشفَ أنَّ الهروبَ من ندوبِ النفسِ قد يسوقُ الإنسانَ إلى استنساخِها في حيواتِ الآخرين، وأنَّ الكبرياءَ حين يغدو حصانةً مطلقة، يمسى غشاوةً تحجبُ عن صاحبِها رؤيةَ حقيقتِهِ بإنصاف.

بيد أنّ النصّ يتجاوز مجرّد خلع الأقنعة؛ إذ يضع إمكانية الوصول إلى ماهيةٍ ناجزة للذات موضع ريبة. فحتى تلك المرآة التي نصبت نفسها حكماً على البطلة، تظل رهينة عالمها الجواني، ومثقلةً بظلالها وتحيّزاتها الخاصة.

من هنا، تجلّت براعة الختام في إبقاء السؤال معلقاً بين ضفتين: أهو استيقاظٌ من سطوة الكابوس، أم مجرد عبورٍ إلى تجلٍّ آخر من تجلياته؟

إنّ لظى المرايا الحقيقيّ يكمن في أن يقضي المرء عمره يقتفي أثر وجهه، فيما تنبري وجوهه المتعددة لمحاكمته؛ وأن يكتشف، في لحظة إدراكٍ متأخرة، أن الباب الذي أوصده دون الآخرين، لم يكن إلا المزلاج الذي أتمّ به حصار نفسه.

وكتبه انس حسين

#مرافىء_الحنين

قراءة واهداء في قصيدة سيدة العرش مقدمة من الدكتور مروان أبو عيشي

لقد جاء النص ممتداً كبحرٍ لا ساحل له، دافقاً بالمعاني التي تدور في فلكها النقاط ولا تتوقف. ولأن هذا النص ليس مجرد مشاركة عابرة، بل هو وثيقة أدبية وفكرية وتاريخية تقدمها الشاعرة والكاتبة اللبنانية لينا ناصر في محفل دولي رفيع كمنظمة “الإيسيسكو”.
—
أولاً: في بنية الخطاب والبيان الفكري (المقال: المرأة حضور لا يختزل)1. تفكيك المركزية الذكورية في الأدب
أحدثت الكاتبة في مقالها خلخلة للمفاهيم الجمالية الكلاسيكية التي حصرت المرأة في دور “المُلهمة المستكينة” أو “المعشوقة في ديوان الرجل”. لقد نقلت المرأة ببراعة من موقع «المتلقي للنص إلى موقع صانع النص»، ومن كونها موضوعاً يُكتب عنه، إلى ذكاءٍ كاتبٍ يمتلك الرؤية والأداة.
2. البلاغة التراكمية وسردية التعدد
استخدمت لينا ناصر أسلوب المقابلة والتقسيم الخطابي لإعادة تعريف القوة والأنوثة؛ فعباراتها المقفاة جزئياً والمنسابة (“الأنوثة لا تتعارض مع الطموح، الرقة لا تلغي الصلابة، الحنان يسير جنباً إلى جنب مع الإرادة”) تنفي التضاد التقليدي بين العاطفة والمسؤولية، لتجعل من الأنوثة طاقة بناء لا مواطن ضعف.
3. التوازن بين الذاتي والعام
الخطاب يذيب الحدود الجغرافية؛ ينطلق من “مرافئ الحنين” في لبنان ليعبر نحو “فضاء عربي وإسلامي أوسع”. القيمة هنا تكمن في صناعة المشترك الإنساني، والحديث بالأصالة عن النفس لا بالنيابة.
——————————
ثانياً: في التجلي الشعري والجمالي (قصيدة: سيدة العرش)
إذا كان المقال قد خاطب العقل والوعي بأسلوب نثري متزن، فإن القصيدة جاءت لتتوج هذا الفكر على عرش الكلاسيكية الباذخة؛ حيث اعتمدت الشاعرة روي الهمزة المضمومة المسبوقة بألف المد (أو جرس الواو المطلقة) وهو رويّ مهيب يناسب الفخر والاعتزاز والتتويج.
1. تماهي المرأة مع الوجود والكون
في البيت الأول:

إن سادت الدنيا بساحر حسنها … بُعث الوجودُ وأورقت أرجاؤه

هنا لا يقف الجمال عند الترف الشكلي، بل هو شرط لبعث الوجود وازدهاره؛ فالمرأة هنا مرادفة للخصوبة والحياة، تماماً كما كان تشرين في نصها السابق وعيداً بالولادة.
2. بلاغة الصورة البصرية والحركية
تتحرك “سيدة العرش” في النص فيتحول الفراغ إلى بستان: «تخطو فيزهرُ في خطاها موعدٌ». هذا “الاحتكاك الجمالي” بالأرض يجعل الطبيعة والزمان في حالة طاعة وانبهار أمام حضورها: «لو توّجوكِ مليكةً / رقص الزمان وأشرقت آناؤه».
3. إعجاز الصمت وبلاغة البيان
تصل الشاعرة إلى ذروة التكريم عندما تجعل الجمال ناطقاً بغير لسان:

فبكِ الجمالُ بصمته متكلّمٌ … ما تمَّ قبلَكِ في العيون بهاؤه
أنتِ البيانُ قريبُه وبعيدُه … بذختْ به وتسابقتْ شعراؤه

هنا دمجت الشاعرة الفكر بالقصيد؛ فالمرأة الحاضرة بوعيها هي “البيان” ذاته، وهي أصل الإبداع واللغة.
——————————
🎼 مجاراة شعرية ترحيبية وتكريمية لنص الشاعرة لينا ناصر (إهداء )
تفاعلاً مع هذا الألق اللبناني والعربي المشرق، إليكِ هذه الأبيات الفصيحة المسبوكة لمجاراة هذا البذخ الأدبي:
أَشْرَقْتِ فِي رَحِمِ البَيَانِ مَنَارَا
وَكَتَبْتِ لِلْمَجْدِ العَرِيقِ فِخَارَا
مِنْ «مَرْفَأِ الشَّوْقِ» النَّدِيِّ حَمَلْتِهِ
فِكْراً يَفُوقُ عَقِيدَةً وَنِثَارَا
لَمْ تَكْتُبِي حَرْفاً يَذُوبُ صَبَابَةً
بَلْ صُغْتِ طَوْقاً يَعْقِدُ الإِكْبَارَا
«لِينَا» وَعَرْشُ الشِّعْرِ يَعْرِفُ أَهْلَهُ
لَمَّا تَقَلَّدْتِ المَدَى إِصْرَارَا
قَالُوا: «الْمَلِيكَةُ لِلْخَيَالِ بَصِيرَةٌ»
فَأَضَأْتِ فِيكِ العَقْلَ وَالأَنْوَارَا
صَوْتُ النِّسَاءِ بِأَرْضِ مَحْفِلِنَا غَدَا
تَاجاً يَصُوغُ الوَعْيَ وَالأَفْكَارَا
——————————

قراءة في مقالي بقلم الدكتور #وليد_وهيب_أبوعيشي لبنان

قراءةٌ تستحق أن تُقرأ من موقعها الإنساني والفكري، لا بوصفها حديثًا عابرًا عن المرأة، بل بوصفها محاولةً واعيةً لإعادة وضعها في موضعها الطبيعي داخل المشهد الإنساني والثقافي.

قدّمت الكاتبة لينا ناصر في هذا المقال رؤيةً تتجاوز الاحتفاء التقليدي بالمرأة، لتؤكد أن حضورها لا ينبغي أن يُختزل في صورة الأم أو الحبيبة أو الزوجة، ولا في كونها ملهمةً لقصيدة يكتبها الآخر، وإنما في كونها إنسانًا كامل الإرادة، وصاحبة فكر وتجربة وصوت وإبداع وأثر.

وتحسب للكاتبة أنها لم تتناول القضية من زاوية صدامية، بل من زاوية إنسانية متوازنة؛ فلم تجعل إنصاف المرأة انتقاصًا من الرجل، ولم تستبدل صورةً نمطية بأخرى، وإنما دعت إلى تجاوز النظرة الأحادية نحو رؤية أكثر اتساعًا للمرأة في تعدد أدوارها ومجالات عطائها.

ويبرز في بيانها ذلك الانتقال الجميل من المرأة بوصفها «ملهمةً للقصيدة» إلى المرأة بوصفها «من تكتبها»، وهي نقلة تختصر جوهر الفكرة كلها: الانتقال من أن تكون المرأة موضوعًا في خطاب الآخرين إلى أن تكون صاحبة خطابها الخاص.

كما أن تعدادها لأدوار المرأة في البيت والمجتمع والثقافة والأدب والعمل والأزمات لم يكن مجرد استعراض للمواقع، بل كان تأكيدًا على أن الحضور الحقيقي لا يقاس بموقع واحد، وإنما بما يتركه الإنسان من أثر في دوائر الحياة المختلفة.

وأحسب أن أجمل ما في هذا النص أنه لا يطلب للمرأة امتيازًا، بل يطالب بأن يُرى عطاؤها كما هو، وأن تُتاح لها المساحة التي تمكنها من التعبير عن قدراتها وصناعة أثرها. وهذه رؤية ناضجة تجعل قضية المرأة جزءًا من قضية الإنسان والمجتمع والثقافة، لا قضية منفصلة عنها.

أما خاتمتها:

«فالمرأة ليست حكاية حب، إنها حكاية وطن، وذاكرة مجتمع، ونبض أسرة، وصوت ثقافة، وقوة عمل، ووهج إبداع، وشريكة في بناء الغد.»

فقد جاءت مكثفةً لفلسفة المقال كله؛ إذ نقلت المرأة من مساحة الصورة التي يرسمها الآخر إلى مساحة الفعل الذي تصنعه هي.

كل التقدير للكاتبة لينا ناصر على مشاركتها في الندوة العربية لمنظمة الإيسيسكو، وعلى هذا البيان الذي اختارت فيه للكلمة أن تكون موقفًا ثقافيًا، وللمرأة أن تُرى في اتساع حضورها، لا في ضيق الصورة التي اعتدنا أن نضعها فيها.

لقد حضرت الكاتبة إلى المؤتمر بفكرة، وتركت وراء فكرتها سؤالًا أوسع: كيف ننتقل من النظر إلى المرأة بوصفها صورةً في المشهد، إلى الاعتراف بها بوصفها شريكةً في صناعة المشهد نفسه؟

وهنا تكمن قيمة المشاركة؛ فالأفكار الجيدة لا تنتهي بانتهاء الندوة، وإنما تبدأ حين تدفعنا إلى إعادة النظر.

مقال مقالي الذي شاركت فيه في الندوة العربية لمنظمة الأيسسكو 29,09,2026المرأة… حضورٌ لا يختزللينا ناصر  _لبنان

يتبوأ موضوع المرأةِ مكانةً راسخةً في الذاكرة الإنسانيةِ والأدبيةِ،باعتبارها كِيانًا فاعلًا أسهم، عبر تعاقبِ العصورِ، في صياغة ملامح الحياة وتشكيل وعي المجتمعات. فالمرأةُ لم تكن يومًا هامشًا في سجل التاريخ، ولا مجردَ صورةٍ تستدعيها القصائد حين يتحدث الشعرُ عن العشق، بل كانت وما زالت شريكةً في صناعة التحولات، وحاضرةً في ميادين العلم والأدبِ والفكرِ والعملِ والإبداعِ والنضال.

لقد اعتادت بعض الصورِ الأدبيةِ أن تختزل المرأةَ في كونها ملهمةً للرجلِ أو معشوقةً في قصيدته، حتى بدا حضورُها أحيانًا مرتهَنًا بنظرة الآخر إليها غير أن المرأةَ الحقيقيةَ تتجاوز هذه الصورة بكثيرٍ. فهي ليست فقط من تُلهِمُ القصيدةَ، بل من تكتبُها، وليست فقط من يقف الشاعر أمام جمالها متأملًا، بل من تقف هي أيضًا على منابر الفكر والثقافة، وفي قاعات العلم، وميادين العمل، ومواقع المسؤولية، لتصنعَ أثرَها الخاصَّ وتثبتَ أن حضورَها جديرٌ بالتقدير و  الاحتفاء.

فالمرأة أمٌّ تربي أجيالًا، ومعلّمةٌ تبني وعيًا، وطبيبةٌ تمنح الحياة عنايةً وأملًا، ومهندسةٌ تَرسم ملامح المستقبل، وكاتبةٌ تحمل قضايا الإنسان إلى فضاءات الكلمة، وشاعرةٌ تصوغ من تجربتها لغةً خاصةً، وفنانةٌ تمنح الجمالَ معنىً، وباحثةٌ تفتح أبواب المعرفة، وقائدةٌ تتحمل مسؤولية القرار، وعاملةٌ تخوض يوميًا معارك الحياة بإصرار لا يراه كثيرون.

وفي الأدب تحديدًا، لم تعدِ المرأةُ مجردَ شخصيةٍ تسكنُ النص أو موضوعًا يتغنى به الكاتب، بل أصبحت صوتًا يَكتب، وفكرًا يحلل، وقلمًا يناقش، ورؤيا تعيد قراءة المجتمع والإنسان والحياة.
لقد انتقلت من موقع المتلقي للنص إلى موقع صانع النص، ارتقت من كونها ملهمةً للقصيدة إلى كونها شاعرةً تمتلك صوتَها وتجربتَها وخصوصيتَها الإبداعية..

وحين نتأمل مسيرة المرأة عبر التاريخ، ندرك أن إنجازاتِها  ثمرةُ صبرٍ طويل في مواجهة القيود الاجتماعية والثقافية، وإصرارٌ متواصلٌ على انتزاع حقها في التعلم والعمل والإبداع والمشاركة. وفي كل مَيدان دخلته، لم تكن تبحثُ عن امتيازٍ يمنحُها مكانةً فوق الآخرين، بقدر ما كانت تسعى إلى أن يكونَ لها المكانُ الذي تستحقُه إلى جانبهم.

إن الحديث عن المرأة لا ينبغي أن يبدأ دائمًا من الحب، ولا أن ينتهي عند الجمال. فالمرأةُ أكبرُ من أن تُختزل في علاقة عاطفية أو صورةٍ شاعرية إنها تجربةٌ إنسانيةٌ كاملة، تحمل في داخلِها القدرةَ على العطاء والمقاومة والتجدد وصناعة التاريخ..

وإذا كان الحب قد منح المرأةَ حضورًا واسعًا في ديوان الشعر العربي، فإن الحياةَ منحتها ميادينَ أكثر اتساعًا لتثبتَ ذاتَها. ففي كل مرة وقفت فيها أمام تحدٍّ، كانت تعيدُ تعريفَ القوة. وفي كل مرة حملت فيها مسؤوليةً، كانت تؤكد أن الأنوثة لا تتعارضُ مع الطموح، وأن الرقةَ لا تلغي الصلابةَ، وأن الحنان يمكن أن يسير جنبًا إلى جنب مع الإرادة…

لقد كانت المرأة في البيت صانعةَ أمان..
وفي المجتمع صانعةَ تغيير..
وفي الثقافة حاملة مشعل….
وفي الأدب صاحبة صوت..
وفي العمل شريكةً في البناء.. وفي الأزمات وجهًا من وجوه الصمود…!
ولهذا فإن إنصافَها يكون بالاعتراف الحقيقي بقدرتها، واحترام إنجازها، وإتاحة المساحةِ التي تمكّنها من أن تقدم ما تستطيع…

إن أجمل ما يمكن أن يُقال عن المرأة ليس أنها كانت ملهمةً لرجلٍ كتب قصيدة، وإنما أنها كانت قادرةً على أن تكون صاحبة القصيدة والحكاية والقرار والإنجاز..
هي التي لا تنتظر أن يمنحها الآخرون معنى وجودها، لأنها تصنعُ معناها بوعيها وتجربتها وإصرارها…
لا تقف على هامش المشهد لتصفق لمن يصنعون التاريخ، بل تدخلُ المَيدانَ، وتشاركُ في صناعته، وتتركُ بصمَتَها في صفحاته..

ولعل أجمل ما يختتم به الحديث عن المرأة هو أن نكفّ عن النظر إليها من زاوية واحدة فهي ليست فقط أمًا أو حبيبةً أو زوجةً أو ابنة، وإن كانت هذه الأدوار عظيمة في ذاتها، بل هي أيضًا إنسانٌ كامل الإرادة، متعدد المواهب، قادر على الحلم والعمل والإنجاز وصناعة المستقبل.

فالمرأة ليست حكايةَ حبٍ، إنها حكايةُ وطن، وذاكرةُ مجتمع، ونبضُ أسرة، وصوتُ ثقافة، وقوةُ عمل، ووهجُ إبداع، وشريكةٌ في بناء الغد.

وحين نمنحُها حقها في أن تُرى بكل أبعادها، نكون قد تجاوزنا الصورة التي تحصرها في عيون الآخرين، إلى الصورة الأصدق: إمرأة تَرى العالم بعينيها، وتتركُ فيه بصمةً بيديها، وتكتبُ حضورَها بقلمها، وتصنعُ مكانَها بإرادتها…!

#لينا_ناصر

همسات صباحية
بقلم لينا ناصر

أتى الصباح وكأنه تأخّر قليلًا ليصل…
صباحا بعد ليل طال،،
كان الأرق فيه سيّد الموقف..
يُقلّب الساعات على خاصرة القلب،،،
ويحصي نبضه المتعب كما تحصى النجوم قبيل انطفائها…!

جاء الصباح بخطواتٍ خجولة
يعتذر عن غياب لم يختره..
والفجر بين يديه باهتا،،
على غير عادته..
كأن الشمس أيضًا سهرت معنا
وتعبت من طول السهر..

في هذا الصباح لم تكن القهوة وحدها ما نحتاجه،،،
بل طمأنينة صغيرة،،،
كلمة دافئة،،،
احتضان دون مناسبة،،،
رشحة أمان وأمل وتفاؤل
تأتي لتكون سببًا مقنعًا لنصدق أن النهار قادر على بلسمة ماخلّفه الليل من خراب…!
لكنه أتى عكس التوقعات
فكان يشبهنا…
متعبًا، صامتًا،
لكنّه رغم كل شيء
فتح نافذته على الأمل،،،
وقال بهمسٍ خافت:
ما زال في القلب متّسع ليومٍ آخر…!

*لست طليقة* 

لست طليقة..!!
قضمةُ عسلٍ عالقةٌ على فم نحلةٍ رشيقة
تحلق بي من زهرة إلى زهرة
من ازاهير قلبك الرقيقة
وتعود بي الى حيث يتم احتجازي
بين حلم وحقيقة..
والفم ثغرك والنحلة قلبك
وانا السجينة فيك
ولا أرجو لحريتي منك وثيقة…
لست طليقة
وشمس الحرية تحت راية الغياب..
هناك على ضفاف العمر
سجينتك تنصهر على لظى الشوق
ولا تدري
أكان الوقوع فيك خطأ ام صواب..
طالت ليالي الهجر وغزا المشيب
ملامح الشباب ومازال قلبها الطفل
يترقب فجر الروح
يبزغ من رحم الاغتراب
في كل دقيقة..!

لينا ناصر

~•ليتك لي •~!!
I Wish you were mine!!
By: Lina Nasser
لينا ناصر

‏قبل ولادة العشق بنبضة واحدة
كنت أعرف قلبي
أو كنت أظن أنني أعرفه
كنت أشعر بانتظامه
وأعتقد انتظامه عافية
لكنني غفلت عن نقطة مهمة
كنت أكره الرتابة
وأهرب منه وتجاهلت رتابة القلب
كان يموت ببطئ..يشيخ ببطئ،،يئن مثلي تحت وطأة الفراغ ..
ثم أتيت
كالسحر فتكت بتفاصيلي
جردت روحي من كل ماتعرفه
أيقظت الحياة بقلبي
بعثرت مابعثرت
وأربكت ماأربكت
بإيماءة عشق واحدة…
أتيت لتخبر قلبي
أن كل ماكان يظنه عشقا
ماكان الا محاولات يائسة
لاعادة تأهيل خفقه..
أتيت لتخبر روحي
أن المشاعر المؤجلة تأتي أجمل بكثير
مما يستوعبه العقل..
أتيت لتكتشف بي مشاعر
لم تخطر ببالي يوما
أنها موجودة بي..
أتيت لتلد من رحم برودي
أنوثة صارخة تنطوي على براكين ثائرة
حممها تكوي كل ماتلمسه بعشق لو وزع على الدنيا لأشبعها..
كم آه علي أن أصرخ بها لتعي حجم انصهاري بك
كم أحبك على لساني يجب ان تحترق لتعي حجم مايحمله قلبي
من مشاعر أنت عرابها
ليتك لي
هذا آخر ماتتمناه روحي من الدنيا..
ليتك لي !!
One pulse before love is born.
I knew my heart.
Or I thought I knew him.
I felt regular.
And I think his regularity is good.
But I missed an important point.
I hated monotony.
I ran away from him and ignored the monotony of the heart.
He was dying slowly. He grows old slowly, groaning like me under the weight of emptiness.
Then I came.
Like magic, I gave up my details.
I stripped my soul of everything you know.
I woke up life with my heart.
I scattered what I scattered.
And I confused what confused.
With one gesture of love…
I came to tell my heart.
That everything he thought was love.
It was just desperate attempts.
To rehabilitate his failure.
I came to tell my soul.
The postponed feelings come much more beautiful.
What the mind understands.
I came to find out how I felt.
I never thought of it.
It’s in me.
I came to give birth from Brody’s womb.
A blatant femininity involving erupting volcanoes
Her lava quenches everything she touches with love.
How ah, I have to scream at her to realize how much I’m melting you.
How much I love you on my tongue you have to burn to realize how big my heart holds.
Feelings you’re her godfather.
I wish you were mine.
This is the last thing my soul wishes from the world.
I wish you were mine!!

Lina Nasser

‏إنه الحزن يا رفاق
بقلم: لينا ناصر

إنه النديم الذي يأبى إلّا أن يشاطرني الأنفاس،،،
يسكنني كلما ظننت أنني تخلّصت من عباءته،،،
يقترب في غفلة من الضوء،،،
ويعيد ترتيب صمتي
والوجع في صياغتي له مقياس…!

هو الحليم الذي يصبر على قلبي،،،
يجرّعني بهدوء مملّ قمّة الإحساس،،،
يعلّمني أن العمق لا يقاس بالبكاء،،،
ولا بكثرة الدموع يقاس حجم الإختناق،،
بل بتلك الرجفة التي تسبق سقوط الدمع،،،
حين يمسكك الحزن من كتفيك،،
وكأنه يقول لك:
أنا لن أؤذيك،،، فقط أريدك أن تشعر !!

إنه الصديق الذي لا يخون،،،
يأتي حين يرحل الجميع،،،
يجلس إلى جوارك دون أن يسأل،،،
يُصغي لقلبك كما لو أنه مرآته…!

إنه الحزن يا رفاق…
ذاك الذي لا يقتلنادفعة واحدة،،
بل يعيد تشكيلنا من رماد الوجع
إلى ملامح أكثر صدقًا
وأكثر عمقاً..
وأكثر نضجاً لمواجهة  الحياة….!

يمرُّ طيفُكَ ، فتهرولُ جوارحي نحوهُ
بلهفةِ الْمُشتاقِ إلى النّورِ ،
فكأنّ الضّوءَ لا يولَدُ إلّا من مُقْلَتَيْكَ…
عَتمةُ الكونِ  دونَكَ تُصِيبني بالضّياعِ
أتعثّرُ بالغِيابِ ، وأهوي في متاهةٍ لاخلاصَ منها إلّا بِكَ …
أشتاقُكَ حَدَّ الْهَذَيانِ ،
وأكادُ أنْ أناديَ ظِلّكَ باسمِكَ ،
وأكتبكُ بأصابعٍ مرتجفةٍ
على  جدرانِ  قلبي …
يا ذا الْعُيُونِ  القاتلةِ …
أمَا كَفاكَ أنّكَ بنظرةٍ أَسَرْتَنِي ؟!
فَكَيْفَ أشفى منكَ ؟ ، وأنا لَمْ
أحِبَّ يوماً هكذا دونَ أيِّ حِسَابٍ
إلّا  حِيْنَ أحبَبْتُكَ ..
لا أزالُ أحسدُ قميصَكَ الأزرقَ
على ملامستِهِ صَدْرَكَ ..
وأحسدُ شَاشَةَ هَاتِفِكَ
على اِنفِرادِ بِسِحْرِ عينَيْكَ ..
وأحسدُ الهَواءَ يَحُفُّ بِكَ ..
يَدْخُلُ رِئَتَيْكَ ، وتزفرُهُ
من أنفِكَ ، وأنا الأَوْلَى بأنْ
أكونَ لكَ الشّهِيقَ والزّفيرَ …
أنا أُنْثَى تَغَارُ عليكَ من نفسِكَ..
مِنْ ظِلِّكَ 
مِنِ اِسمِكَ ..
مِنْ صَوْتِكَ ..
مِنْ صَمْتِكَ..
مِنْ سَجَائِرِكَ ..
مِنْ عِطْرِكَ ..
مِنْ كُلِّ مَا هُوَ أَقْرَبُ مِنِّي إِلَيْكَ..
وَأَنْتَ رَجَلُ الْمُسْتَحِيلِ
الّذي جَعَلَنِي أنْ أَتَلَاشَى
أمَامَ هَالَةِ حُضُورِهِ …

لينا ناصر

أنثى السماء

أنثى السماء
لينا ناصر

أمشي على حافة المعنى فأبصره
كأنّه الحِلمُ لا أرضٌ ولا دارُ

فالشمس أنثى ولولا ذاك ما سطعتْ
بعد الظلام على الآفاق أنوارُ

والمرأةُ الفخرُ لا بالحسن مفخرها
نيسانُها الفكرُ فاحت فيه أزهارُ

إن ضاق أفقٌ عليها أبدعتْ أفقًا
هل توقف النور َ في علياه أسوارُ  !

ما كانت الأرض إلّا القفرَ خاليةً
حتى ابتناها من الإنسان إعمارُ

ولا الحضارةُ لو لم تسق روضتَها
أنثى ففاح بعطر الحرف نُوّارُ

هي القصيدة لا تغدو كمملكة
عمادُها النور في علياه والنارُ

إلّا إذا تُوِّجتْ بلقيسُ مالكةً
وخصّصتها بتاج المُلك أقدارُ

يا رائد الفكر والآفاق مسرحه
أنثى السماءُ إذا رابتك أفكارُ

كذلك الأرض كانت للألى عشقوا
وفي السماء عليها اشتدّ إصرارُ

فهي الحبيبة وهي الأمّ حانيةً
وهي الشقيقةُ مهما لجّ إنكارُ

قطبَ الحياة براها اللهُ من أزلٍ
والكونُ من حولها ما دار دوّارُ

أنشئ موقعك الإلكتروني مجانًا على WordPress.com.أنشئ موقعك الإلكتروني.
ابدأ مجانًا