“جحيم المرايا” للينا ناصر
استقراءٌ تفكيكي ومقاربةٌ نقدية…
●°•جحيم المرايا •°●
لينا ناصر _لبنان.
ثم، في آخر السهر،،
قرر عقلي الخلود إلى النوم…
اعترضت عيناي،،
فالأجفان ما زالت محدقة،،
والقلب مصاب بعقم الإحساس،،
والروح لا فرق عندها بين يقظة ونوم…
لكن عقلي،،
هذه المرة،
فرض سلطته،
واستنفر جيوش جوارحي،،
ومضى بي قسرا إلى عتمة الرقاد…
أغمضت عينيّ فإذا بي أدخل قاعة شاسعة،، مترامية الأطراف،،
تتكاثر فيها المرايا من كل النواحي
أينما أدرت بصري وجدتني..
لكن بوجوه مختلفة،
وملامح تتنازعني
كأن كل مرآة تنتزع من روحي نسخة وتمنحها هيئة مستحدثة مني..
حتى المرايا لم تكن متشابهة
كانت تتوشح بألوان غريبة
بعضها يفيض بزرقة الموت
وبعضها يتوهج بحمرة النزف
وأخرى تتشح بسواد آخر غير ذلك الذي نعرفه في العتمة..
سواد يعكس الحرائق التي تشغل حيزا من روحي كالفحم
بقي محافظا على سواده ولم يتحول إلى رماد..
رحت أتجوّل بين المرايا،
أتفحّص ملامحي
أتقصّى وجوهي المتناثرة على جدرانها..
فأرى واحدة تعكس فرحي..
وأخرى تستبطن حزني..
وثالثة تستحضر صورتي حين يستبدّ بي الغضب…
وتلك هناك في أكثر بقعة مضيئة
تسرق طفولتي وتعيدني صغيرة بعينين واسعتين
وبراءة لم تفسدها الحياة بعد..
وأخرى تقف أمامي شامخة
تتباهى بشموخي
كأنها تحفظ قامتي من الانكسار…!
أما واحدة في أقصى الرواق
فكانت تحدّق بي بقسوة لم أعهدها في أي من مراياي..
لا تبتسم،
ولا ترمش،
ولا تمنحني فرصة للفرار من نظرتها..
بدت كأنها تعرف عني ما أجهله..
وتحصي بصمت كلّ المرات التي احتميت فيها بالقسوة من الضعف،
وكلّ الأبواب التي أغلقتها في وجه الآخرين باسم الكبرياء…
وقفت أمامها طويلًا،،
حتى خيل إليّ أنني لا أنظر إلى انعكاسي..
تلك لم تكن أنا إنها بلا شك امرأة أخرى
جاءت لتشهد ضدي..
لتخبرني كم أستطيع أن أكون صارمة..
وكم تختبئ خلف صلابتي امرأة لا ترحم
حتى حين تكون الرحمة أولى بها..!
لم أُشِح بوجهي عنها،
رغم أن نظرتها بدأت تتسلل إلى جلدي
كإبر باردة..
ورغم أن ملامحي في المرآة
راحت تتقلص وتتسع
كأن وجهها يبتلع وجهي ببطء…
رفعت يدي إلى وجنتي
فلم تفعل هي.
ابتسمتُ
فبقيت عابسة..
أغمضت عينيّ،
لكنها بقيت تحدّق بي،
ثم مالت برأسها هامسة بشفاه لم تتحرك:
أخيرا جئت!
تراجعت خطوة
فتقدّمت هي داخل المرآة،
خارج جسدها الزجاجي،
حتى التصق جبينها بجبيني،
وفصل بيننا غشاء رقيق
لا ينتمي إلى هذا العالم..
ثم من خلفها بدأت المرايا تتنفس.
رأيتُ طفولتي تركض حافية على سقف القاعة،
وحزني يجرّ ذيلا طويلا من الموتى،
بينما كانت صورتي الغاضبة تقضم أصابعها وتبصقها على الأرض،
فتتحول الأصابع إلى مفاتيح صغيرة،
يلتقطها وجهي المتعجرف ويفتح بها أفواه المرايا..
ثم حدث ما لم أستطع تفسيره
انحنت المرآة التي تعكس فرحي،
وأخرجت من فمها ضحكة سوداء،
علقتها على مسمار في الهواء…
أما مرآة الطفولة،
فقد راحت تهدهد دمية بلا رأس،
وتبكي كلما ناديتها باسم لم أعد أتذكره…
وفجأة، انطفأت الألوان..
لم يبق في القاعة سوى المرآة الأخيرة،
وتلك المرأة التي تشبهني أكثر مما ينبغي..
وتكرهني أكثر مما أحتمل…
قالت:
أتعرفين لماذا تبدين قاسية إلى هذا الحد؟
لم أجب.
لأنكِ كلما عجزتِ عن إنقاذ شيء في داخلك،
أعدمتِ شيئًا في الخارج…
كلما خفتِ من انكسارك،
كسرتِ يدًا امتدت إليكِ…
كلما عجزتِ عن تفسير جرحكِ،
جعلتِ من الآخرين متهمين في محكمة لا قاض فيها سواك…!
وضعت كفي على فمي،
لكن الكلمات خرجت من بين أصابعي،
تتساقط على الأرض كحشرات بيضاء…
حاولت أن أصرخ،
فابتلعت القاعة صوتي
ثم أعادته إليّ بألف نبرة..
كلها تشبهني..
كلها تسخر مني…
تلك المرايا لم تكن معلقة على الجدران.
كانت الجدران نفسها جلودًا مشدودة على وجوه عملاقة..
وذلك الرواق الذي جئت منه
لم يكن سوى أمعاء طويلة تلتف حول ذاتي،
وأنني منذ أغمضت عيني وأنا أُهضَم داخل نفسي…
مددت يدي نحو المرآة الأخيرة
لعلّي أسترد وجهي منها.
لكنها أمسكت بيدي.
وجذبتني إليها
فاستيقظت وقد بلل العرق ملامحي
وفرائصي ترتعد من الخوف
وعيوني واجمة في سقف الغرفة
تبحث عني..
ويدي تتلمس صدري هل مازلت أتنفس
هل أنا التي فتحت عينيها في العتمة؟!
هل استطعت الخلاص من جحيم_المرايا
أم أنني الآن أكمل غفوتي
وقد استيقظت في المرآة الخطأ؟!!
لينا ناصر
أولًا: عتبة نقدية ــــــ الذاتُ في حضرةِ محكمتِها:
تنسج لينا ناصر في نصها “جحيم المرايا” تجربةً تنفذُ من مسمّ العبور النفسي الضيق إلى رحابة المساءلة الوجودية، حيث تجابهُ الذاتُ وجوهَها المتشظية، وتستنطقُ ما يربضُ خلف رصانتها من ندوبٍ ووجلٍ وانكسار.
فتتحول المرايا هنا من أداةِ انعكاسٍ إلى منصةِ اتهام، ويصبح الإبصارُ مكاشفةً موجعة؛ إذ تُباغتُ الذاتُ بحقيقةٍ مُفادها أنَّ أعتى مخاوفِها لم يكن إلا صدىً لما يكتنفُ أعماقَها.
إذ يرتكز النصّ على مفارقةٍ جوهرية، قوامها أنّ المرء الذي ينكفئ هاربًا من مواجهة ندوبه الغائرة، قد يستحيل هو نفسه مبعثًا للوجع الذي يطال الآخرين. وعن هذه المفارقة تنبثق ثنائياتٌ ضدية تكتنف النص، تراوح بين القوة والوهن، والأنفة والهشاشة، والوعي والإنكار، واليقظة والحلم، والتمثيل والحقيقة.
ثانيًا: القراءة التفكيكيّة ــــــ تقويض ثوابت الذات وزعزعة يقينها:
1. تآكل وحدة الهوية:
تنطلق سيرورة التفكيك من تناسل الصور وانشطارها في المرايا؛ إذ تشرع البطلة في رحلة التفتيش عن كينونتها، فلا تقع على ملامح نهائية تستكين إليها.
فلكلّ مرآةٍ وجهٌ مباغت، ولكل وجهٍ انفعاله وذاكرته وموقفه، حتى تغدو الشخصية شتاتًا موزعًا بين ذواتٍ متنافرة.
حيث تخطُّ الكاتبة بعبارتها: “أينما أدرتُ بصري وجدتني.. لكن بوجوهٍ مختلفة”، ملامحَ التصدع في مفهوم الهوية الأحادية؛ فالذاتُ في هذا السياق ليست ماهيةً ساكنةً تُستعادُ بمجردِ التأمل، بل هي نسيجٌ متحوّلٌ من فيضِ التجاربِ وتقلباتِ الوجدان. والمرآةُ، بناءً على ذلك، لا تمنحُ الرائي هويةً مكتملة، وإنما تُعلنُ استحالةَ اختزالِ الكائنِ في صورةٍ نمطيةٍ وحيدة.
وتتجسدُ ذروةُ هذا التمزق حين تقفُ البطلةُ أمامَ انعكاسِها، لتشهدَ على غربتها قائلة: “تلك لم تكن أنا.. إنها بلا شك امرأةٌ أخرى”. يتبدّى الإنكارُ هنا بوصفه حيلةً نفسيةً ونسقًا دفاعيًا؛ إذ تنتقي البطلةُ من تجلياتها ما يستقيمُ مع رغباتها، وتُقصي كلَّ ما من شأنهِ تهديدُ صورةِ الذاتِ المتخيَّلة.
بيدَ أن النصَّ يشرعُ في قَلْبِ هذهِ الموازين؛ لتغدو “المرأةُ الأخرى” هيَ التجلِّي الأصدقَ لجوهرها، والأقربَ إلى حقيقتها من تلكَ الصورِ التي ألِفَتْ قَبولها.
وعلى هذا الإيقاع، تتلاشى التخومُ بين الأنا والآخر؛ ليغدو الآخرُ مرآةً كاشفةً لما استعصى على الأنا الإقرارُ به.
2. تقويض ثنائية القوة والضعف:
حيث يشتغلُ النصُّ على مفارقةٍ جوهريةٍ تتمثلُ في ثنائية القسوة والرحمة؛ إذ تتبدّى الصلابةُ الظاهرةُ، لا كعلامةِ بأسٍ واقتدار، بل كدرعٍ واهٍ يذودُ عن هشاشةٍ داخليةٍ غائرة.
تقولُ المرآةُ المواجهةُ للبطلة: “كلما عجزتِ عن إنقاذ شيء في داخلك، أعدمتِ شيئًا في الخارج”.
تمثل هذه العبارة الركيزة التأويلية الأعمق للنص؛ إذ تُعيد تعريف القسوة بوصفها ارتداداً للعجز، وتكشف أن الاستقواء على الآخر ليس إلا محاولةً يائسة لترميم شتات الذات أمام ألمٍ استعصى على الاحتواء. هنا تتداعى مفاهيم القوة التقليدية؛ فالكبرياء الذي صان الروح من التهاوي يستحيل جداراً من العزلة، والسطوة في إطلاق الأحكام لا تعدو كونها قناعاً يواري العجز عن فقه الجرح الشخصي ومواجهته.
ونلاحظ أنّ القراءة التفكيكية لا تختزل القوة في الضعف بوصفه حقيقةً وحيدةً مستترة؛ إذ تظل القسوة فعلًا جائرًا وتبعةً أخلاقيةً قائمة، حتى وإن كانت نابعةً من مَكامن الخوف. وتكمن براعة النص في قدرته على حثّ الشخصية لسبر أغوار دوافعها، دون أن يمنحها صكَّ براءةٍ من مآلات أفعالها.
3. المرآةُ بوصفها مَرْجِعيَّةً للمكاشفة وسُلطةً للإدانة:
تتحول المرآة الأخيرة من محض سطحٍ صامت إلى ذاتٍ ناطقة، تحوزُ من المعرفة ما يتجاوز إدراك البطلة لذاتها؛ فهي تُحصي الأبواب الموصدة، وتعرّي الذرائع التي استترت خلف رداء الكبرياء، واضعةً الشخصية في مواجهةٍ حاسمة مع سجلِّها الأخلاقي، وهكذا يتبدّل شأن المرآة؛ فما عادت أداةً للإبصار بل غدت عرشاً للقضاء، وما عاد صمتها مجرد انعكاس بل صار خطاباً يعرّي ما تفرّق من أشتات النفس. غير أن هذه السلطة ليست سطوةً خارجية، بل هي صدىً لما يعتمل في الداخل؛ هي انبثاق الوعي من قيود “الأنا”، وصرخة الذات التي لم تعد تقوى على تجرّع أوهامها المريحة.
ومن رحم هذا المشهد تولد مفارقةٌ لافتة:
إذ تمسي البطلة هي الخصم والحكم والشاهد في آنٍ واحد، لكنها تقف عاجزةً وقد أفلت من يدها زمام تلك المحكمة التي أقامتها في حنايا روحها.
بيد أنَّ النص يشرعُ الباب أمام تساؤلٍ جوهري: هل تستحيلُ المرآةُ مِجلًى للحقيقةِ المطلقة، أم أنها محضُ قناعٍ آخر للذات، تنطقُ بلسانِ التقريعِ وتتوشحُ برداءِ القسوة؟ إنَّ هذا الاحتمال يحولُ دون ركون القارئ إلى فكرةِ أنَّ الصوتَ الذي يفضحُ الزيفَ يمتلكُ حصانةً ضد الخديعة ذاتها.
4. انحلالُ التخوم بين الرؤيا واليقظة:
ينطلقُ النصُّ من إرادةِ العقلِ في الاستسلامِ للنوم، ليعبرَ بنا رِواقَ المرايا، وصولاً إلى يقظةٍ جسديةٍ لا تهبُ الروحَ خلاصَها المأمول.
فبينما يبدو النومُ في بدئه انصياعاً لسلطة العقل، يستحيلُ الحلمُ فضاءً تتحررُ فيه الصورُ من أصفادِ المنطقِ والواقع، حتى تأتي الخاتمةُ لتقلبَ موازين العلاقة الجدلية بين الحلمِ والحقيقة: “أم أنني الآن أكمل غفوتي وقد استيقظت في المرآة الخطأ؟!!”
فلم يعد الاستيقاظ بالنسبة للبطلة عودةً إلى مرفأ اليقين، بل غدا إمعانًا في زعزعة وجودها وتعميقًا لشكوكها؛ فربما لم يكن الكابوس سوى طورٍ عبرته، أو لعلَّ الصحو ذاته ليس إلا امتدادًا لغياهبه.
هنا، يفقد الواقع سيادته بوصفه الحقيقة المطلقة، ويقف الوعي حائرًا أمام تلاشي الحدود الفاصلة بين رَهق المتخيّل وراهن المعاش. وليست النهاية المفتوحة مجرد حيلةٍ سردية للتشويق، بل هي تجلٍ لبنيةٍ تفكيكية تشرع في هدم المراكز الثابتة، حتى تغدو اليقظةُ نفسُها مركزًا متداعيًا لا يقين فيه.
ثالثًا: المتّكآت الفنية والجماليات السردية:
1. الفضاء السيكولوجيّ وتجسيد المجرّدات:
حيث تتجلّى براعة الكاتبة في تشييد فضاءٍ إبداعي تنصهر فيه الانفعالات لتغدو كياناتٍ مرئية وأفعالًا ملموسة؛ فثَمّة طفولةٌ تعدو في المدى، وحزنٌ يجرُّ خلفه أذيالاً من الموتى، وغضبٌ ينهشُ بنانه، وفرحٌ ينبثقُ من ثغر المرآة كضحكةٍ حالكة.
إنَّ هذه الصور البيانية تَهَبُ العوارض النفسية كينونةً ماديةً مستقلة، وتُحيلُ الصراع الجوانيَّ إلى مشهدٍ بصريٍ مائجٍ بالحركة، حتى يبلغ هذا التجسيد ذروته التعبيرية في قول البطلة:
“كانت الجدران نفسها جلودًا مشدودة على وجوه عملاقة”.
تتحوّل الصورة هنا من أداة للزخرفة إلى قوة تعيد صياغة وجودية المكان؛ فالفضاء الذي كان يوماً احتواءً للذات يستحيل كائناً حياً يطبق عليها، وتغدو القاعة جسداً هائلاً يمارس طقس افتراسها.
وتأتي استعارة “الأمعاء الطويلة” لتمضي بهذا المعنى نحو أقاصيه، حيث يتحول العبور في الرواق إلى رحلة تيه داخل جهاز هضميّ رمزيّ، تخلع فيه الذات رداء المستكشف لتغدو مادةً تُهضم في جوفها. إنها تجسيد بلاغي لسطوة الانغلاق النفسي، حين يستحيل التأمل اجتراراً وجودياً يقتات على صاحبه.
2. الرمزية اللونيّة وأنطولوجيا الجرح:
تتجاوز الألوان وظيفتها البصرية لتؤدي دوراً سيكولوجياً ودلالياً فارقاً:
– زرقة الموت: تنضحُ بصقيع الانطفاء، وتشي بنهايةٍ استوطنها السكون.
– حمرة النزف: تشرعُ نوافذ الذاكرة على وجعٍ مقيم، وندوبٍ لا تزالُ طرية.
– السواد الذي استعصى على الرماد: يُجسّد احتراقاً جوانياً يتأبّى على الأفول، وألماً احتفظ بفتيله متقداً رغم عوادي الزمن.
وتحمل هذه الصورة الختاميّة مفارقةً وجوديةً بليغة؛ فالفحمُ، رغم كونه أثرَ نيرانٍ خبت، يظلُّ محتفظاً بكيانه القاتم وقدرته الكامنة على التوهج من جديد.
وبذلك تغدو الذاكرة جرحاً لم يصر ماضياً بعد، بل استحالَ ركناً حصيناً في تكوين الذات وراهنها، ومع ذبول الألوان في خواتيم المشهد، ينحسرُ صخبُ العالم ليتكثّف في مواجهةٍ مصلتة بين البطلة ومرآتها الأخيرة، وكأنّ العتمة البصرية ليست إلا تمهيداً لتعرية الصراع في أشد حالاته تجرداً.
3. الطفولة والضحكة السوداء:
تفكيك البراءة وتقويض المسرّات:
لا تصوغ الكاتبة الطفولةَ في قالب الملاذ النقي أو الفردوس الذي يُؤوي البراءة المستعادة، بل تجعل من مرآتها كائناً يربتُ على دميةٍ مقطوعة الرأس، وينتحبُ كلّما ناداه اسمٌ منسيّ.
هي صورةٌ تجسّد ذاكرةً مشوهة، وبراءةً فقدت جوهرها الأول فباتت عاجزةً عن استرجاع هويتها. تتغلغل الطفولة في أغوار الشخصية، لا بوصفها ماضيًا مكتمل الأركان، بل بوصفها أثرًا مشوَّهًا يعجز المرء عن استرداد ملامحه.
وكذلك يتبدد صفاء الفرح حين تجسده المرآة “ضحكةً سوداء”؛ فذاك السواد الذي يتسرب إلى الضحكة يخلخل الثنائية الرتيبة بين الفرح والحزن، ويشي بأن البهجة الظاهرة قد تضمر في طياتها ألمًا دفينًا لم يحظَ بالاعتراف.
ومن خلال هذه الصور، تنمحي الحدود الفاصلة بين المشاعر؛ فالفرح مثقلٌ بظله، والطفولة ممهورةٌ بندبتها، والشموخ ليس إلا ستارًا يداري خلفه وجلًا عميقًا.
4. ارتقاء المشهد من حيّز الوصف إلى تخوم الرعب الوجودي:
تتنامى البنية السردية وفق مسارٍ تصاعدي محكم:
1- التمهيد السيكولوجي: صراع الحواس والمدركات في حضرة السهاد.
2- الكشف: الولوج إلى بهو العاكسات واستنطاق شتات الوجوه المتعددة.
3- المجابهة: بزوغ المرآة التي تهتك ستر القسوة المستترة خلف القناع.
4- التحول الجوهري: استنطاق الروح في الجماد وتداعي أركان الواقع المعهود.
5- المحاكمة الوجدانية: تعرية البطلة أمام ميزان الحقائق الأخلاقية لمسلكها.
6- الاستلاب: تحوّل الفضاء إلى كيان عضوي يبتلع الذات في أحشائه.
7- الصحوة المريبة: الارتداد إلى الحيز الضيق دون يقين الخلاص من غياهب الكابوس.
ويؤازر هذا التصاعد عبور النصّ من صراعٍ سيكولوجي مفسر إلى مخاضٍ وجودي تترنح فيه يقينيات الشخصية حيال تخوم جسدها ومدركات وعيها. ورغم ما يشيعه النص من سطوةٍ عبر فيض صوره، إلا أن تلاحق بعض المشاهد -كتشكل الأصابع مفاتيح تفتح أفواه المرايا- يشارف على حدّ الاكتظاظ الرمزي؛ إذ قد يمنح الاقتصاد في بعض التفاصيل فضاءً أرحب للصور الأكثر نفاذاً كي تستبقي وهجها، دون خدشٍ للروح السريالية الثاوية في النصّ.
رابعًا: الأفق النفسي والفلسفي ـــــ حين يستحيل الوعي جحيمًا:
يستدعي النصّ قراءةً سيكولوجيّةً تتقصّى ملامح الصراع بين صورة الذات كما تنشدها الشخصية، وبين تلك الظلال المتربّصة في غياهب الوعي؛ فليست قسوة المرأة وتعاليها إلا ترساً من صلابةٍ زائفة، وآليةً دفاعيةً تدرأ بها عن نفسها مآزق الشعور بالعجز.
بيد أنَّ هذه القراءة تظل في فضاء التأويل الأدبيّ المحض، ولا تبرح كونها استنطاقاً للنصّ، بمنأى عن أي تشخيصٍ نفسيّ مباشر يطال الشخصية أو كينونة الكاتبة.
يغوص النصّ في غمار المساءلة الفلسفية حول تخوم الوعي بالذات:
هل يملك المرء أن يكون شاهداً عدلاً على كينونته، أم أن الصور الذهنية المسبقة تشكل حجاباً يزيغ به البصر؟
وهل يكفي فقه بواعث القسوة للتحرّر من ربقتها، أم أنّ الاعتراف لا يغدو تحولاً جوهريّاً إلا حين يتجسّد واقعاً في تقويم المسلك؟
والمثير للتأمّل أنّ النصّ يضنّ على بطلته بسكينة المصالحة النهائية؛ فهي إذ تبلغ لحظة الانكشاف الممعنة في الألم، تكتشف أنّ التعرّي أمام الحقيقة لا يفضي بالضرورة إلى مرافئ الخلاص.
وهنا تتجلّى الفجوة السحيقة بين إدراك الحقيقة والقدرة على مكابدة ثقلها.
فيتجلّى الوعي في “جحيم المرايا” بوصفه ثنائيةً متناقضة؛ فهو المِبضع الذي يهتك حُجب الزيف، وهو في الآن ذاته القيد الذي يرهن الكائن لمحاكمةٍ سرمدية لا تنقضي.
خامسًا: وقفات نقديّة في فضاء اللغة والنسق الإيقاعيّ:
يتمظهر النصّ بلغة تصويريّة باذخة، وقدرة لافتة على تشكيل المشهد النفسي عبر استنطاق الحواس وتوظيف الحركة والتشخيص، كما أن هذا الانتقال الممنهج من رصانة المرايا الواقعية إلى المرايا الناطقة، وصولاً إلى فضاء المكان الجسدي الملتهم، يصبغ السرد بصبغة سريالية تتنامى باطراد.
فتبدو جليّة قدرة النصّ على تشييد عالمٍ متخيّل متماسك في منطقه النفسيّ، ومؤرق في أثره الوجودي.
خاتمة نقديّة:
المرآة التي لا تعكس الوجه… تتجلى القيمةُ الجوهريةُ في “جحيم المرايا” في براعةِ الكاتبةِ التي جعلت من مكاشفةِ الذاتِ حدثاً سردياً ممعناً في الروع، مُستحيلةً بالاستبطانِ من تأملٍ ساكنٍ إلى تجربةٍ تتماهى فيها الحدودُ بين الصورةِ والحقيقة، والضحيةِ والجلاد، وبين القوةِ التي تصونُ والقسوةِ التي تخون. وتبرزُ المرآةُ الأخيرةُ بؤرةً لهذا البناء؛ لتكشفَ أنَّ الهروبَ من ندوبِ النفسِ قد يسوقُ الإنسانَ إلى استنساخِها في حيواتِ الآخرين، وأنَّ الكبرياءَ حين يغدو حصانةً مطلقة، يمسى غشاوةً تحجبُ عن صاحبِها رؤيةَ حقيقتِهِ بإنصاف.
بيد أنّ النصّ يتجاوز مجرّد خلع الأقنعة؛ إذ يضع إمكانية الوصول إلى ماهيةٍ ناجزة للذات موضع ريبة. فحتى تلك المرآة التي نصبت نفسها حكماً على البطلة، تظل رهينة عالمها الجواني، ومثقلةً بظلالها وتحيّزاتها الخاصة.
من هنا، تجلّت براعة الختام في إبقاء السؤال معلقاً بين ضفتين: أهو استيقاظٌ من سطوة الكابوس، أم مجرد عبورٍ إلى تجلٍّ آخر من تجلياته؟
إنّ لظى المرايا الحقيقيّ يكمن في أن يقضي المرء عمره يقتفي أثر وجهه، فيما تنبري وجوهه المتعددة لمحاكمته؛ وأن يكتشف، في لحظة إدراكٍ متأخرة، أن الباب الذي أوصده دون الآخرين، لم يكن إلا المزلاج الذي أتمّ به حصار نفسه.
وكتبه انس حسين
#مرافىء_الحنين
