كانت قد نجحت حتى اليوم، بارتداء أقنعة الفرح التي تتناسب مع مقاسات شحوبها..
لكن الأمر الذي، لم تتداركه أنها مهما اتسعت لن تكون بحر ، وحتى لو كانت، لا بد من لحظه هوجاء حاسمة، ترتفع بها أمواج الحنين فتهدم أسوار صبرها ،وتنكسر مجاذيف كتمانها فتغرق في قاع لهفتها هكذا على غفلة منها، تغفو ملامحها الهادئة الرصينه غفوة أبديه كمن توارى الثرى، لتصحو بعد ليل دامس طال أمده، على أنثى تكاد، لولا تلك الشامة التي تتوسط وجنتها وذلك البريق الذي، لطالما كان بالنسبة لناظريها برزخ الجاذبيه، وماهي الا دمعة عالقة من فقدٍ ونيّفٍ على ضفاف أهدابها، لولا هاتين الدلالتين لما صدقت أنها هي نفسها..
تلك المتمردة التي استفاقت على خزانة ملابسها تنثر في فضائها الصغير كل مالا يتحلى بالجرأة والجنون وترمي رمادياتها التي لطالما كانت تبحث عنها وتقطع لأجلها أميال وأميال، ها هي اليوم ترمي بها وتمزقها وكأنها تنتقم من كل موقف حزين وكل دمعة ذرفت في حضرتها…!
انتهت من ثورة غضب عارمة كانت ضحيتها العديد من الاثواب التي كانت ذات هدوء تتباهى برزانتها ووقارها حين ترتديها، وكأنها قررت التعرّي من شخصيتها الهادئة، وازاحة الستائر عن حقيقية انوثتها الصارخة وملامحها الفاتنة ، تمردت بكل ماأوتيت من قوة وراحت تبحث بفوضوية فاضحة عن ثوبها المزركش التي أهدته لها ذات يوم صديقتها قائلة لها :تلوّني قليلا ايتها الغامقة! وتذكر كم اغتاضت منها في ذلك الحين إلّا أنها الان تريده وبجسارة..
” واخيراً وجدتك، تعال لنرى ماالذي يمكنك اصلاحه في هذه الملامح المهترئة من البؤس”
كانت قد نحفت قليلا مما جعله يطهر مفاتنها بشكل جذاب، راحت ترمق قوامها الممشوق بنظرات الاعجاب قائلة : هل هذه أنا حقا؟!!
ثم سرعان ما التقطقت احمر الشفاه لتسمح له بتقبيل شفتيها بعد هجرة باسقة، ونفضت غبار الاهمال عن ظلال العيون واكتحلت كما لم تفعل من قبل، وتعطرت برائحتها الباريسية المميزة، ثم انتعلت كعبها العالي الاحمر وانطلقت للقائه بكل ثقة وأناقه، وفي ذهنها تتردد اصداء كلمات صديقاتها وانتقاداتهم اللاذعه لها بانها مملة وأثريّة حتى دعواتهم عليها بأن تزلّ قدم قلبها بوعكة عشق تغرقها حتى أذنيها، وها هي دعواتهم تصبح حقيقة لكنها حتى الان لم تجرؤ على االاعتراف بالهزيمة والضعف إلّا لعينيه!!
نادراً ماكنت أرى دمعة أمي!
رغم كل ماأذكره ومالا أذكره من اوقات عصيبة ، وضعف حيلة ، وضيق العيش الذي مررنا به، إلا أنها لم تكن لتسمح بان تتنفس ابتسامتها بعيداً عن ثغرها ..
حتى أنني أذكر ذات مساء يتيم غلبها النعاس بعد نهار مجهد ،واستسلمت للنوم قبلي ، حتّى في غفوتها تبتسم..!
أذكر أنني تأملتها مطولاً ، وتمنيت آن أعانقها للابد..
كنت حين يزاولني الارق أتدثر بأناملها الدافئة ، مازال مذاق حنانها على لسان ملامحي، رغم عبور العمر العاق وجرف البقع السوداء التي خلفتها اعاصير الحزن في نهر دموعي الا أن لمساتهامشومة في العمق لا تقدر على محوها حياة!!
حقاً ان الفقد الذي يتحدثون به ، ويجعلون منه مادة دسمة لرواياتهم ،ماهو الا “دلع اطفال ”
ومن لم يصدقني فليستعير قلبي ومشاعري لدقيقتين فقط وليخبرني بعدها هل من شيء في هذا الكون يستحق ارتقائه لمرتبة الفقد حين تكون على عرشه “أم”!!؟؟
وذلك المسمّى ب”الفرح” يمر بي كسحابة صيف ، يلوّح بالوداع قبل الوصول ، ويقف برهة بالقدر الذي يكفيه لاختراق روحي ب سهام استفزازه ثم يمضي مقهقهاً ..
ان للاقدار شؤون في مصائر البشر!!
فالبعض ،وان أخطأ وتعمد الخطأ تعبر العيون والقلوب امامه كالعمياء لا ترى الا صحيحه!
ونحن ذوي الاحاسيس المرهفة والمواقف الضعيفة تشرق الشمس غالبا على افكارنا قبل الوقوع احياناً ،فلو مرّ بنا خاطر غير صحيح اجتمعت مصائب الدنيا فوق رأسنا ،المطالب والمعاتب والمحاسب والجلاد وحتى العمر ..
هكذا هي الحياة ، من ارادت به سعادة ، رفعته فوق اكتافها ، ومن ارادت به حزن يتخبط في بحاره دون سبيل للنجاة ..
الحمدلله على كل حال..
لينا ناصر
“مجنونه بك”
أمام عيني..
يراقب صفحات جريدته
وثغره لا ينكفئ لحظه عن لثم سجائره..
واحدة تلو الأخرى..
حتى أنني لوهلة تمنيت لو أنه يستبدلها بشفاهي..!
تارة يسرح بعيداً لينفث دخانها
فأشعر أن قلبي مع الأخير مسافر..
وتارةً يرتشف بهدوء الطفل
بعضاً من قهوته الباردة..
أي أصبحت كذلك لكثرة تجاهله لها ..
وحين تنبّه لعيوني التي تكاد تخترق كل ذرّةٍ فيه بادرني بالقول :
-ألم تملّي من مراقبتي كل يوم؟!
ألم تتمكني بعد من حفظ ملاممي؟!
فنظرت بعمق أكثر ورددت في داخلي : “عطشى.. وملامحك بحر.. أأموت دون ارتواء وأنت أمامي؟!”
فتأفف وقال
كمن يفكر بصوت مرتفع: مجنونه!!
فابتسمت بهدوء وقلت : بك!!
تعال… نرصُّ الآهات كرواياتٍ منسيّةٍ على الرفوف،، كلما داهمكَ الفقد،، تمسحُ عن وجعك غبارَ الهجر،، وتأتيني… كالمُلهوف،، كأنكَ لم تتقن يومًا فنَّ النجاة مني…!
تعال… نغتالُ اللغة،، نُبدّلُ ملامحَ الغزل،، ونُربكُ تاريخَ القُبَل،، نُعلّمُ الفراشات كيف تستخلصُ من رحيق الورد عقارَ الأمل…!
مثلاً… لا تقل “أحبك”، ولا تنتظر أن أفعل… دعني أنطقُ باسمك فقط،، ثم… ثم خُذ اعترافكَ من ثغري دون نطق،، دون أن أتكبّد عناءَ البوح،، فلتكن قراءةُ صامتة لغةً لا تُفسَّر، ولا تُقاس، ولا تُختصر…!
تعال… نلتقي بصمت،، ونفترقُ بصمت،، صمتٌ لا تعرفه الحروف،، ولا تجيدُ اختزالَ ضجيجه كلُّ الدواوين…! صمتٌ يجعلُ كلَّ ذرّةٍ فيكَ تصرخ: اقتربي…! وكلَّ ذرّةٍ فيَّ تردّد شغفًا…! فقط تعال،، فقد أينعَ اللقاء،، وصغارُ النبضِ جائعةٌ…تنتظرُ الثمر…!